توفيق أبو علم

152

السيدة نفيسة رضي الله عنها

فقالت لها : يا سيدتي ، لو تركت لنا شيئاً من هذه الدراهم لنشتري به شيئاً فنفطر عليه ، فقالت لها : خذي غزلًا غزلته بيدي فبيعيه بما تشتري به طعاماً نفطر عليه ، فذهبت المرأة وباعت الغزل وجاءت بما أفطرت به هي وإيّاها ، ولم تأخذ من المال شيئاً « 1 » ، فهي الجوادة بنت الجواد ، وهي من قومٍ يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . وكانت رضي اللَّه عنها عيوفة عزوفة ، فما عرف عنها أنها مدّت يدها لمخلوق ، وما كانت تأخذ شيئاً ممّا كان يأتي إليها من مِنَح الأُمراء والعظماء ، بل إنّها كانت تبعث به إلى ذوي الحاجات ، سخاء نفس وعزّة فطرة ، وما كانت تنفق على نفسها وأفراد بيتها إلّاما كان من مالها أو مال لزوجها ، أو ما يأتيها ممّا تغزله بيدها ، وكانت لا تأكل طعاماً لغير زوجها . وهذا أمير مصر السريّ بن الحكم ، فقد ألحّ عليها إلحاحاً شديداً في أن تنزل في دار له نزل عنها لها ، فبعد لأيٍ وجهدٍ قبلت أن تنزل في تلك الدار التي وهبها لها ، وقد سرّه قبولها وحمد اللَّه تعالى على ذلك « 2 » ، فهي من آل بيتٍ لا يرضى ذووه أن يكون لأحدٍ غير اللَّه تعالى له عليهم نعمة ولا منّة ، شمماً وإباءَ نفس . وهذا هو الأمير الذي بعث إليها بمائة ألف درهم ، فلم تشأ أن تبيتها أو تدخرها ، بل وزّعتها دون أن تُبقي لها منها درهماً . وكانت السيّدة نفيسة رضي اللَّه عنها كثيرة البرّ والمواساة ، عطوفةً رحيمةً ، تحنو على القوم وتتّحد بهم ، فتؤويهم إلى ضلّ رحمتها ، وتمهّد لهم مهاد رأفتها . ولم يكن عطفها على ذوي قرباها بأقلّ أثراً من ذلك ، فكثيراً ما نالهم برّها ، وشملهم خيرها . فهذه بنت أخيها السيّدة زينب قد لاقت من عمّتها من الحنان والرأفة والإحسان ما جعلها تخلص إليها ، وتتفانى في خدمتها ، وتقوم لها بما تحتاجه من أُمورها ، فإنّ عمّتها ملكت قلبها ببرّها وعطفها ، حتّى وفت لها أربعين سنة ! تنشط لخدمتها ، وتسهر على حاجتها ، دون سأمٍ أوملل « 3 » . وكذلك أخلصت لها خادمتها « جوهرة » لما لمسته من عطف وحنان ، فعاشت في كنفها

--> ( 1 ) راجع تحفة الأحباب وبغية الطلّاب : ص 106 . ( 2 ) خطط المقريزي : ج 4 ص 327 - 328 . ( 3 ) انظر خطط المقريزي : ج 4 ص 325 ، مجموعة آل بيت النبي في مصر : ص 79 .